أبو البركات بن الأنباري

63

البيان في غريب اعراب القرآن

غريب إعراب سورة الحجر قوله تعالى : « رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ » ( 2 ) . قرئ : ربّما وربما بالتشديد والتخفيف ، فالتشديد على الأصل ، والتخفيف / لكثرة الاستعمال ، وهاتان لغتان جيّدتان ، وفيها لغات . و ( ما ) فيها كافة عن العمل ، وخرجت بها عن مذهب الحرف لأنّ ( ربّ ) حرف جرّ ، وحرف الجرّ يلزم للأسماء ، فلما دخلت ( ما ) عليها جاز أن يقع بعدها الفعل ، فخرجت عن مذهب الحرف ، وصارت بمنزلة ( ما ) في ( طالما وقلّما ) . فإنّ ( طال وقلّ ) فعلان ماضيان فلما دخلت عليهما ( ما ) خرجا عن مذهب الفعل ، فلم يفتقر إلى فاعل ، وإن كان كلّ فعل لا بدّ له من فاعل ، لخروجه بدخولها عليه عن بابه ، فكذلك ههنا ، ولا يدخل بعد ( ربما ) إلا الماضي كما قال الشاعر : 110 - ربّما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات « 1 » وإنما جاء ههنا المضارع بعدها ، على سبيل الحكاية ، ولهذا حمله أبو إسحاق على ضمير ( كان ) ، على تقدير ، ربّما كان يودّ الذين كفروا . والأوّل أوجه . ومن ألطف ما قيل في هذا أنّ أخبار الحقّ تعالى ، لمّا كان متحققا لا شكّ في وجوده لتحققه ، نزّل المستقبل الذي لم يقع ولم يوجد ، منزلة الماضي الذي وقع ووجد . وربّما ، معناها التقليل كربّ . قال الشاعر :

--> ( 1 ) من شواهد سيبويه 2 - 153 ونسبه إلى جذيمة الأبرش . الخزانة ح 4 ص 567 وشرح شواهد المغنى ص 134 - 245 . شمالات : جمع شمال ، وهي ريح شديدة ، جعلها ترفع ثوبه ، وهو يشرف على العدو أعلى الجبل للمراقبة .